سميح دغيم
117
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
والهزال ، والعلم الضروري حاصل بأنّ المتبدّل المتغيّر مغاير للثابت الباقي ، ويحصل من مجموع هذه المقدّمات الثلاثة العلم القطعي بأنّ الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة . الحجّة الثانية إنّ الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجّه الهمّة نحو أمر معيّن مخصوص فإنّه في تلك الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه وعن أعضائه وأبعاضه مجموعها ومفصّلها ، وهو في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعيّنة بدليل أنّه في تلك الحالة قد يقول : غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك ، وتاء الضمير كناية عن نفسه ، فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه وأبعاضه ، ويكون المعلوم غير معلوم فالإنسان يجب أن يكون مغايرا لجملة هذا البدن ولكل واحد من أعضائه وأبعاضه . الحجّة الثالثة أنّ كل أحد يحكّم عقله بإضافة كل واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول : رأسي وعيني ويدي ورجلي ولساني وقلبي ، والمضاف غير المضاف إليه ، فوجب أن يكون الشيء الذي هو الإنسان مغايرا لجملة هذا البدن ، ولكل واحد من هذه الأعضاء ، فإن قالوا : قد يقول نفسي وذاتي فيضيف النفس والذات إلى نفسه ، فيلزم أن يكون الشّيء وذاته مغايرة لنفسه وهو محال ، قلنا : قد يراد به هذا البدن المخصوص ، وقد يراد بنفس الشّيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا ، فإذا قال : نفسي وذاتي ، فإن كان المراد البدن فعندنا أنّه مغاير لجوهر الإنسان ، أمّا إذا أريد بالنفس والذات المخصوصة المشار إليها بقوله أنا ، فلا نسلّم أنّ الإنسان يمكنه أن يضيف ذلك الشيء إلى نفسه بقوله إنساني ، وذلك لأنّ عين الإنسان ذاته فكيف يضيفه مرّة أخرى إلى ذاته . الحجّة الرابعة أنّ كل دليل على أنّ الإنسان يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدلّ على أنّه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم ، وسيأتي تقرير تلك الدلائل . الحجّة الخامسة أنّ الإنسان قد يكون حيّا حال ما يكون البدن ميتا ، فوجب كون الإنسان مغايرا لهذا البدن . ( مفا 21 ، 39 ، 29 ) - إنّ الإنسان غير محسوس ، وهو أنّ حقيقة الإنسان شيء مغاير للسطح واللون وكل ما هو مرئي ، فهو إمّا السطح وإمّا اللون وهما مقدّمتان قطعيّتان ، وينتج هذا القياس أنّ حقيقة الإنسان غير مرئيّة ولا محسوسة ، وهذا برهان يقينيّ . ( مفا 21 ، 43 ، 20 ) - إنّ الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضا بالإدراك والتحريك وموصوف أيضا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ، ومعلوم أنّ جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بدّ من إثبات جوهر آخر يكون موصوفا بكل هذه الأمور . ( مفا 21 ، 51 ، 27 ) - إنّ الأصل في الإنسان البخل لأنّه خلق محتاجا والمحتاج لا بدّ أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه ، إلّا أنّه قد يجود به لأسباب من خارج ، فثبت أنّ الأصل في الإنسان البخل . إنّ الإنسان إنّما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلّا ليأخذ العوض ، فهو في الحقيقة بخيل . ( مفا 21 ، 63 ، 15 )